علي بن محمد البغدادي الماوردي

125

أدب الدنيا والدين

إلّا فيها ولا ينال ما عنده إلّا بتركها » . وروى سفيان أن الخضر قال لموسى عليهما السلام : يا موسى أعرض عن الدنيا وانبذها وراءك فإنها ليست لك بدار ولا فيها محل قرار وإنما جعلت الدنيا للعباد ليتزوّدوا منها للمعاد . وقال عيسى بن مريم عليه السلام : الدنيا قنطرة « 1 » فاعبروها ولا تعمروها . وقال علي كرم اللّه وجهه يصف الدنيا : أوّلها عناء وآخرها فناء حلالها حساب وحرامها عقاب من صح فيها أمن ومن مرض « 2 » فيها ندم ومن استغنى فيها فتن ومن افتقر فيها حزن ومن ساعاها فاتته ومن قعد عنها أتته ومن نظر إليها أعمته ومن نظر بها بصرته . وقال بعض البلغاء : إن الدنيا تقبل إقبال الطالب وتدبر إدبار الهارب وتصل وصال الملول وتفارق فراق العجول فخيرها يسير وعيشها قصير وإقبالها خديعة وإدبارها فجيعة ولذاتها فانية وتبعاتها باقية فاغتنم غفوة الزمان وانتهز فرصة الإمكان وخذ من نفسك لنفسك وتزوّد من يومك لغدك . وقال وهب بن « 3 » منبه : مثل الدنيا والآخرة مثل ضرّتين إن أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى . وقال عبد « 4 » الحميد : الدنيا منازل فراحل ونازل . وقال بعض الحكماء : الدنيا إما نقمة نازلة وإما نعمة زائلة وقيل في منثور الحكم : من الدنيا على الدنيا دليل . وقال الشاعر : تمتع من الأيام إن كنت حازما « 5 » * فإنك منها بين ناه وآمر إذا أبقت الدنيا على المرء دينه * فما فاته منها فليس بضائر

--> ( 1 ) قنطرة : جسر . ( 2 ) مرض فيها : المراد نافق أو فسق . ( 3 ) وهب بن منبه : بن كامل ، سمع أخاه همام وجابرا وعبد اللّه بن عباس وغيرهم ، وهو مشهور بمعرفة الكتب . قال : قرأت من كتب اللّه تعالى : اثنين وتسعين كتابا . واللّه أعلم . ( 4 ) عبد الحميد : بن يحيي بن سعيد كاتب مروان ، آخر ملوك بني أمية ، وكتب أيضا للمنصور ، وكان رأسا في الكتابة ومقدما في الفصاحة والخطابة ، بليغا مرسلا - قال فيه ابن عبد ربه : عبد الحميد أول من فتق أكمام البلاغة وسهل طرقها ، وفك رقاب الشعر ، وهو صاحب الرسائل والبلاغات ، وهو أول من أطال الرسائل ، واستعمل التحميدات . وقيل : بدئت الكتابة بعبد الحميد ، وختمت بابن العميد . ( 5 ) حازما : عاقلا متبصرا .